الثلاثاء، 20 أكتوبر 2009

أنا لم أنتخب




رغم إقتناعي أن المشاركة في إنتخابات معروفة نتائجها مسبقا هي مشاركة من دون فائدة و قد تعطي شبه شرعية لحكومة تزور النتائج و ترهب معارضيها، إلاّ أني قررت أن أنتخب بدافع الفضول على إعتبار أنها أول مرة أتحصل فيها على بطاقة ناخب.


ذكر في البرقية المرسلة لي مع بطاقة الناخب فإن الإنتخابات ستكون أيام 17و 18 و 19 أكتوبر بمقر تونس الجوية و ذلك من الساعة 9 صباحا حتى الساعة 6 مساءا فطلبت من رئيسي في العمل رخصة للخروج قبل الوقت. وصلت مقر تونس الجوية على الساعة 5 و 20 دقيقة و ......................



و لقيت الباب مسكر


ما يخدموش


ما فمّاش إنتخابات



نشاء الله في 2014.......

الأربعاء، 16 سبتمبر 2009

محمود نور الدين


16 سبتمبر ، تاريخ عادي للبعض ، عيد ميلاد أحدكم ربمّا، ذكرى سعيدة أو حزينة للبعض الآخر و لكنه لي هو ذكرى أحزان لم أشهدها و ذكرى شهداء لم أعرفهم يوما و لكني كبرت على حكاياتهم و بطولاتهم. ففي مثل هذا اليوم من سنة 1982 قامت قوات العملاء و الخونة من اليمين المسيحي اللبناني بأحد أكبر المجازر في تاريخ البشرية الحديث: مجزرة صبرة و شتيلا التي خطط لها و راقبها و باركها العدو الصهيوني. في 16 سبتمبر أيضا أعدم الشهيد البطل عمر المختار، بطل المقاومة اللّيبية و أسد الصحراء، على يد المحتل الإيطالي الفاشي و في 16 سبتمبر أيضا إستشهد مواطن عربي من مصر العربية، مات شهيدا في زنزانته التي إختاره لها زبانيته من عملاء النظام المصري، هذا البطل و الشهيد هو محمود نور الدين.


الشاعر عطية حسن رثاه بهذه الكلمات التي شتضل خالدة خلود وطننا العربي و مادامت هذه الأرض ولاّدة و معطاء:


الخلود للبطل ...مش للغواني واللصوص وتجار الحشيش

كان في عشقه للبلد من أخلص الدراويش

معقولة ماتت إيده القوية

اللي ضحكت بين صوابعها كتير البندقية

وكانت أد جيش ؟!

معقول يكون الفجر ف عينيه الجميلة

مش حيطلع مرة تانية

ولا يغنيش؟!

معقولة نور الدين انطفا

ف لعبة طيش؟!

مات البطل لكن البطولة تعيش


محمود نور الدين هو ضابط مخابرات مصري رفض الذل و العار اللّذان خيمّا على بلده بعد إتفاقية العار، إتفاقية كامب ديفد التي وقعها العميل أنور السادات مع الكيان الصهيوني و صرخ عاليا باحثا عن الكرامة المفقودة.


عمل نور الدين لمدة 20 عاما في إنجلترا بالسلك الدبلوماسي المصري بالإضافة إلى دائرة المخابرات، وهو حاصل على وسام للشجاعة أثناء حرب أكتوبر 1973.لكنه قرر بشكل مباغت الاستقالة من عمله بعد أن زار الرئيس السادات القدس المحتلة عام 1977, وركز جهوده على نشر مجلة معادية للسادات في لندن تسمى (23يوليو) وكان يرأس تحريرها محمود السعدنى. وبين عامي 1980 و1983 تعاون نور الدين مباشرة مع صديقه القديم خالد عبد الناصر نجل الزعيم الراحل، وعاد كلاهما إلى مصر في 1983. وخلال ستة أشهر، بدأ نور الدين تنظيمه المسلح السري الذي أطلق عليه "ثورة مصر".وكان الهدف الرئيسي للتنظيم تصفيه الكوادر الجواسيس العاملين تحت غطاء السلك الدبلوماسي، لكن بصورة غير رسميه حتى لا تقع مصر فى أزمات دبلوماسيه أو ما شابه ...وبعد عدة عمليات ناجحة، وجد نور الدين نفسه بين المطرقه والسندان ... فمن ناحيه تبحث عنه المخابرات الإسرائيليه (الموساد) بصفته خطرا على عملائها فى مصر, ومن ناحيه أخرى تبحث عنه السلطات المصريه بصفته مهددا لسلامه أشخاص تحت المظله الدبلوماسيه ... كان الوضع صعبا للغايه .. إلا أن رجل المخابرات المحنك لم يتنازل عن هدفه السامى فى إصطياد الجواسيس ...وهكذا إستمر تنظيم ثورة مصر فى إثارة جنون الموساد بعد عملياته الناجحه الواحدة تلو الأخرى . كان الموساد بكل عيونه وجواسيسه ومحترفيه يفاجأ بضربات نور الدين الموجعه الواحدة تلو الأخرى , وكان إسم تنظيم ثورة مصر يذاع فى وسائل الإعلام مقرونا بعمليات تصفيه للموساد فى مصر منها عمليه قتل مسئول الأمن فى السفارة الإسرائيليه ( زيفى كدار ) الذى أعلن تنظيم ثورة مصر قتله فى يونيو 1985.وكذلك قتل (ألبرت أتراكش) المسئول السابق عن الموساد فى إنجلترا والذى كان يعمل فى مصر , وتم قتله فى أغسطس من نفس العام , وأيضا الهجوم على سيارة إسرائيليه أمام معرض القاهرة الدولي بمدينة نصر فى العام التالى مباشرة ...إلا أن نور الدين لم يكتفى بهذا القدر من العمليات , بل إمتد نشاطه ليشمل الأمريكيين , وكان يعلم بحكم عمله السابق فى المخابرات المصريه أن الولايات المتحدة هى حليفه إسرائيل , فإستهدف 3 عاملين فى السفارة الأمريكيه فى القاهرة فى مايو 1987 .وهكذا دخلت المخابرات الأمريكيه فى دوامه البحث عن تنظيم ثورة مصر وقائدة محمود نور الدين ...كان الأمر يزداد صعوبه فى وجه تنظيم ثورة مصر الذى تقوم 3 أجهزة مخابرات بتعقبه .. المصريه والأمريكيه والإسرائيليه ...وكانت المخابرات الأمريكيه على إستعداد لدفع ثروة مقابل أى معلومه عن التنظيم ...وللأسف جائتهم المعلومات على طبق من فضه ...كان لمحمود نور الدين شقيق يدعى عصام , كان يعتبر الرجل رقم 2 فى التنظيم , إلا أن عصام إنحرف و إتجه إلى طريق الإدمان ورفاق السوء .. وهدد عصام أخيه نور الدين بفضح أمر التنظيم للمخابرات إذا لم يعطه أموالا ليشترى بها المخدرات , فلم يكن من نور الدين إلا أن أطلق الرصاص على قدمه كإنذار له على عدم الوشايه بالتنظيم ..إلا أن المخدرات لعبت فى أحد الأيام بعقل عصام , وخيل له الشيطان أن طريقا مفروشا بالورود أمامه إذا قام بالإبلاغ عن شقيقه محمود.إتصل عصام بالسفارة الأمريكيه فى القاهرة , وما أن قال لعامل الإتصال أنه الرجل الثانى فى تنظيم ثورة القاهرة وطلب موعدا للقاء السفير حتى إنقلبت السفارة رأسا على عقب ...وفى غرفه مغلقه ضمت السفير الأمريكى وعصام نور الدين ومسئول المخابرات الأمريكيه وأخر من الموساد , وبعد إجراءات تفتيش طويله لعصام , وبعد تكثيف الحراسه على السفارة كما لو أنها حصن حصين , بدأ عصام على مدار الساعات الأربع يشرح للجميع كيفيه عمل تنظيم ثورة مصر ...كان يشرح لهم كيف يقومون بالعمليات ...ومصادر التمويل ...وطرق التنفيذ ..كل شىء ...أضاف لذلك قيامه بالإتصال أمام مسئولى السفارة بعدد من أعضاء التنظيم لضمان مصداقيه كلامه , ثم ختم سيمفونيه خيانته لأسرته الكبيرة ( الوطن ) وأسرته الصغيرة ( أخيه ) بتقديم ( نوته ) تحتوى على أسماء جميع رجال التنظيم وأرقام هواتفهم وعناوينهم ....وفى النهايه طلب عصام من السفير ثمن كل هذة المعلومات الثمينه ...طلب ثمن الخيانه ...وكان الثمن نصف مليون دولار وجنسيه أمريكيه ....وأوهمه السفير ( كاذبا ) بأن كل طلباته ستكون مجابه ...وسقط تنظيم ثورة مصر فى ساعات معدودة ...وبدلا من مكافأته، سلم الأمريكيين عصام إلى السلطات المصرية وحوكم وتمت إدانته بـ 15 سنة في السجن، لكن تم فصله عن باقي أعضاء التنظيم بعد ان وسم بالخائن.وتمت محاكمه أعضاء التنظيم, وشملت التهم الموجهة إليهم:


1. القيام بأنشطة عرضت علاقات البلاد بالحكومات الأجنبية للخطر.

2. إغتيال دبلوماسي إسرائيلي في المعادي في 4 يونيو 1984

3. قتل دبلوماسي إسرائيلي في 20 أغسطس 1985

4. الهجوم ضد السرادق الإسرائيلي في معرض القاهرة التجاري عام 1986.

5. إغتيال الملحق الثقافي الإسرائيلي وجرح إثنان من رفقاء وزير السياحة الإسرائيلي الذي كان يزور السرادق.

6. محاولة إغتيال دبلوماسي أمريكي في 26 مايو 1987.


وكانت حصيلة العمليات: قتيلان إسرائيليان، ستة جرحى إسرائيليين وأثنين أمريكيين.وحوكم نور الدين مع 10 من المتهمين، من بينهم خالد جمال عبد الناصر، الذي كان خارج البلاد في ذلك الوقت، وحوكم غيابيا بتهم بتمويل المجموعة وتجهيز الأسلحة، لكن تمت تبرئته وأربعة آخرين. وتم تصوير المتهمين خلال المحاكمة كإرهابيين ومدمنو مخدرات.ووضع محمود نور الدين فى السجن ليقضى فيه 11 عاما بعد أن حكم عليه بعقوبة 25 عاما قبل أن يلقى ربه في سجن في مثل هذا اليوم من سنة 1998. وفي عشية الذكرى العشرين لإتفاقيات كامب ديفيد التي أرست أسس العلاقات المصرية الإسرائيلية شيع جثمان محمود نور الدين في وداع مهيب ، وهي الإتفاقية التي أقسم نور الدين على محاربتها.وعلى الرغم من الحضور الأمني الواضح والمكثف، هتف المشيعون بهتافات معادية لإسرائيل وأحرق العلم الإسرائيلي خلال الجنازة.ويبقى أسم نور الدين في الأذهان وفى العقول والضمائر



من رأى منكم احدا يثق باسرائيل وامريكا

فليقاومه بيده

وإن لم يستطع فبلسانه

وإن لم يستطع فبقلبه

وإن لم يستطع فبالكلاشنكوف

وهذا أضعف الإيمان

ناجى العلى


منقول بتصرف

الجمعة، 6 فبراير 2009

قصة قصيرة




"بييييييييييييييييييييييييبب"

" يا بهييييييييييييييييييييييم، حلّ عينيك"

إبتسم وهو يتفادى بصعوبة السيّارة التي كال له صاحبها سيلا من السباب. واصل قطع الطريق و هو يحاذر و يتفادى العربات الكثيرة في الشارع.

"لقد تغيرت البلاد كثيرا، و لكن نحو الأحسن على ما أظن..." تمتم بهذه العبارات واضعا يديه على أذنيه فهو لم يعتد بعد كل هذا الضجيج وهو الذي قضّى ما يزيد على ربع قرن متنقلا بين السجون التونسية، و في السجن الإنفرادي في أغلب الأحيان، ليحط به الركب منذ بضع سنوات هنا بالسجن المدني بقفصة.

شعر بقليل من النعاس وهو يتذكر، منذ أسبوع، كيف أخبره سجّانوه أن سيكون حرّا بعد أيام.... لقد مرت ذلك الأسبوع أطول من كل محكوميته، لم يكن يستطيع أن ينام أكثر من بضع سويعات، كان مشتاقا لرؤية الناس و البلاد و خاصة أخته الوحيدة التي لو يراها منذ سنة أو أكثر، هو لا يلومها فلها عائلتها و أطفالها الآن، و أكيد أن ضروفها هي التي منعتها من زيارته. لقد مرّت البلاد بأحداث و أحداث وهو كان لا يتلقى الأخبار سوى من سجّانيه و بعض الرفاق القدامى الذين كانوا يزورنه أحيانا... تذكر أيضا كيف وعده محاميه منذ عشرون سنة أنه سيكون حرّا قريبا بعد التغيير/الإنقلاب الذي وقع في البلاد... كم عاش على ذلك الأمل و لكنه في الأخير رضخ لمشيأة خالقه خاصة وأنه لم يكن ممن راهنو على هكذا تغيير فالحاكم "الجديد" كان إبن النظام القديم و بل و أكثر كان أحد المسؤولين الأمنيين المسؤولين على إيقافه و تعذيبه هو.

فاق من تأملاته على وقع حركة غير عادية: عدد كبير من رجال الشرطة، جمع غفير من الناس محاط بقوّات مكافحة الشغب... رفع رأسه متأملاّ المكان، شعر أن عيناه تألفان هذا المكان.... أطلق شهقة عميقة وهو يسترجع ذكريات أخرى، لقد قادته قدماه إلى محكمة الإستئناف بقفصة... لا زالت ذكرى محاكمته ماثلة أمام عينيه كأنها أمس، يوم بكت أمه بعد أن نطق ذلك القاضي الفاسد بالحكم ثم زغردت وهي تقول له "عل أقل ولدي ما سرقش و ما قتلش، دخل راجل و بش يخرج راجل مالحبس"... كل ما يتذكر كلماتها يشعر ببعض من راحة الضمير فقد ماتت و لم يرها بل رفضوا حتّى مطلبه بحضور دفنها. "أولاد القـ*******" تمتم بهذه الكلمات دون أن يشعر، أحس برغبة في البكاء وهو يتذكر أمه، كانت الأم و الأب و الأخ و الصديق، تذكرّ كيف كانت تضحك عليه عندما كان يحدثها عن حتمية وحدة أمة العرب، عن الصراع الطبقي، عن الإشتراكية من وجهة نظر ماركس، ثم عن الإشتراكية العربية، كان يحدثها أيضا عن المادية الجدلية و عن جدل الإنسان لعصمت سيف الدولة، عن عبد الناصر، عن لينين... كانت دائما تسمعه للآخر ثم تقول له ضاحكة "ما فهمت شي يا وليدي، نعرفك تحب تونس و تحب فلسطين، هذاكا المهم، غير رد بالك على روحك" ثم تقبله و تمضي لحالها...

أخذته الذكرايات بعيدا مرة أخرى، إلى رفاقه في التنظيم الذي كان منتميا إليه، لم يكن تنظيما بمفهومه الحزبي، كانو فقط مجموعة من الشباب الذين عاهدو الله و الوطن على العمل من أجل تقدم و النهوض ببلدهم و من أجل وحدة أمتهم. كانت أحلامهم كبيرة ولكنهم كانو يروها قابلة للتحقيق، كم يحن إلى تلك الأيام و خاصة إلى رفيقه صــابر. كانا لا يفترقان، يتقاسمان نفس الغرفة في المبيت ، كانا متلاصقان دائما في المسيرات، حتى في حلقات النقاش مع الأطراف السياسية الأخرى كانا متكاملان، فما أن يسكت الأول حتى ينطق الثاني.

تذكر آخر مرة رآه، كان ذلك يوم القبض عليه، كان معا في المسيرات التي عمت البلاد إحتجاجا على زيارة وزير الخارجية الأمريكي، أرادوها مسيرة سلمية تعبيرا عن إحتجاجهم لمساندة الولايات المتحدة للكيان الصهيوني و ضد ما تقوم به ضد الشعب الأعزل في الفيتنام، و لكن ما إن بدأت المسيرة أمام المسرح البلدي في العاصمة حتّى هاجمتهم قوى البوليس بوحشية لا تضاهى، لقد إستعملو الكلاب المدربة و مدرعات المياه السّاخنة... أثناء تراجعهم لزقاق جانبي في العاصمة، هجم أحد أفراد البوليس على صابر و أطلق عليه كلبه ينهش في ساقيه، فلم يألف نفسه إلا وهو يهاجم الكلب و البوليس معا ليساعد صديقه على الهرب. نجح في ذلك و لكن أثناء هربهم لحقت بهم الشرطة مرة أخرى فطلب من صابر أن يختبأ لأنه غير قادر على الركض بعد العضّ الذي ناله من الكلب، واصل هو ركضه وحيدا و نجح أن يبعد البوليس عن صديقه و لكنهم أمسكو به و أوقفوه.

كم تعرضّ للضرب و التعذيب من أجل أن يعترف بتهم لم يقترفها، أرادو معرفة إسم صابر و لكنه له لم ينطق بحرف. لا يدري إن كان لسوء أم لحسن حظه أنه كان يحمل معه في لحظة إيقافه بعض كتب الفلسفة و الشعر، صادروها على أنها منشورات، يوم المحاكمة إعتبروها دليلا ضدّه.. إتهموه "بارتكاب جرائم الانخراط في عصابة والمشاركة في وفاق وقع بقصد تحضير ارتكاب اعتداء على الاشخاص والأملاك والمشاركة في عصيان صادر عن أكثر من عشرة افراد وقع بالسلاح وتم اثناءه الاعتداء على موظف أثناء مباشرته لوظيفته وتعطيل الجولان بالسبل العمومية والمشاركة في عصيان دعي اليه بخطب ألقيت بمحلات عمومية واجتماعات عامة ومعلقات واعلانات ومطبوعات والاضرار عمدا بملك الغير وصنع وحيازة آلات ومواعين محرقة ورمي مواد صلبة على املاك الغير واحداث الهرج والتشويش بمكان عام وتوزيع وبيع وعرض ومسك بنية الترويح لنشرات من شأنها تعكير صفو النظام العام لغرض دعائي وجمع تبرعات دون رخصة واعداد محل لاجتماع اعضاء عصابة مفسدين واعانتهم بالمال وجمع التبرعات بدون رخصة (*)" ، تهم تحمل صاحبها إلى حبل المشنقة في أشد الدول ديمقراطية فكيف بدولة بوليسية مثل بلاده. سأل عن صابر بعد إيقافه و لكن محاميه قال له أن صابر تغير كثيرا منذ أن سجنت، كان ينتظر أن يأتي لزيارته في السجن على الأقل و لكنه لم يره و لا حتى في يوم محاكمته.

إستيقيظ من ذكرايته على دفع الناس له، وجد نفسه دون أن يدري داخل قاعة المحكمة، لقد قادته قدماه إلى هنا دون قصد، فكر أن يخرج فهو يكره هذا المكان و لكن الحركة غير العادية للناس و العدد الكبير للبوليس أثارا فضوله لمعرفة ما يحدث، أخذ يسترق السمع للناس من حوله ففهم أنها إستئناف للقضية التي تعرف بقضية الحوض المنجمي. لقد سمع بهذه الأحداث أثناء سجنه، قال له أحد سجّانيه وهو من أبناء المنطقة أن الناس ثارت ضد الرشوة و المحسوبية و من أجل حقهم في الشغل و أنّ القطرة التي أفاضت الكأس كانت الإعلان عن نتائج مناظرة للشغل تم التلاعب بنتائجها. شعر بالحنق، التاريخ يعيد نفسه و في شكل مهزله هذه المرة، لقد سمع أن التهم الموجة للموقوفين هي نفسها التي وجهت له منذ ربع قرن و نيف. "أكيد أنهم عيّنو قاضيا فاسدا مرةّ أخرى" تمتم بهذه العبارات وهو يستعد للخروج... "إنتباه، محكمة، وقوف للقاضي" رفع رأسه على وقع كلمات الحاجب يدعو الناس لسماع الحكم.. بيما كان القاضي يرتّل الأحكام القاسية التي أصدرها ضدّ شعبه، كان هو يحملق بالقاضي مرتعشا و الدموع تنهمر من عينيه، تلقفه الناس وهو يسقط على الأرض متمتما "القاضي راهو صابر"، "القاضي راهو صابر"، "القاضي راهو صابر".....


(*) التهم المكتوبة أعلاه هي التهم التي لفقت للمتهمين في قضية الحوض المنجمي


ملاحظة: هذه القصة من وحي الخيال و أي تشابه في الأحداث مع الحقيقة هو من محض الصدفة. هي مهداة إلى صديقي و أخي و رفيقي الحفناوي بن عثمان، المحاكم بسنتين و شهر سجنا في قضية الزور بالحوض المنجمي بقفصة، لمن لا يعرف الحفناوي أقول له انه أحد أبناء الرديف، أستاذ متخرج من كلية الآداب برقّادة، مناضل و نقابي قومي ناصري، لا يسكت على الظلم. لعل أحد أوجه التشابه بين ما كتبته و الحقيقة أن والد صديقي توفاه الأجل يوم محاكمة إبنه الإبتدائية و لم يسمحوا للحفناوي حتّى بحضور الدفن، رحمه الله، مات حزنا على ولده و لكنه كان فخورا به.

الاثنين، 24 نوفمبر 2008

افتحوا المعابر - إهداء إلى أطفال غزة



تكبّر.. تكبرّ!

فمهما يكن من جفاك

ستبقى، بعيني و لحمي، ملاك

و تبقى، كما شاء لي حبنا أن أراك

نسيمك عنبر

و أرضك سكر

و إني أحبك.. أكثر

يداك خمائل

و لكنني لا أغني

ككل البلابل

فإن السلاسل

تعلمني أن أقاتل

أقاتل.. أقاتل

لأني أحبك أكثر!

غنائي خناجر ورد

و صمتي طفولة رعد

و زنيقة من دماء

فؤادي،

و أنت الثرى و السماء

و قلبك أخضر..!

و جزر الهوى، فيك، مدّ

فكيف، إذن، لا أحبك أكثر

و أنت، كما شاء لي حبنا أن أراك:

نسيمك عنبر

و أرضك سكر

و قلبك أخضر..!

وإنّي طفل هواك

على حضنك الحلو

أنمو و أكبر !


محمود درويش

الجمعة، 7 نوفمبر 2008

تذكير



إلى كل المراهنين على أوباما هذه أغنية للشيخ إمام عيسى غنّاها عندما كان يراهن العرب على التغيير في سياسة الولايات المتحدة عندما ذهب الرئيس جونسون و جاء الرئيس نيكسون و ما عليكم سوى تغيير إسم جونسون ببوش و نيكسون بأوباما و ما أشبه البارحة باليوم...



أَبَ تَ ثَ جُحٌّ... أَلِفٌ بَاءْ جُونسُون رَوَّحْ... نِيكسُونْ جَاءْ

قُولُوا: هَأْأوْأوْ، أَوَ قُولُوا: هَاءْ عَلى صَحَافِتنَا الغِير غَرَّاءْ


ذَاتَ صَبَاحْ يَا فَتَّاحْ بِالجَرَانِين على رِيق النُّومْ

جُمْ عَلى سَهوَةْ، كَسَبُوا القَهوَةْ وِابتَدَأوْا فْ تَضيِيع اليُومْ

اللِّي يقُولْ: النَّصر نَمِيصْ يِنفَع تَكسِي، وِيمشي رَمِيصْ

وِاللِّي يقُولْ: الفُورد يا بِيهْ اَجعَص مِن أَجْعَصهَا جِعيصْ

واللِّي يقُولْ: جُونسُونْ دَا حمَارْ رَاجِلْ عَقلُهْ، عَقل صغَارْ

رَاجِلْ تِيسْ، مِن غِيرْ حِيثْ يِنصُبْ أَلْف جَنَازَة بْتَارْ

بَس؛ اَهُو رَاحْ، وحَنِرتَاحْ وِحَنِتبَحبَحْ بَقى، وِنقُولْ:

يِخْرِبْ بِيتُهْ، يِدلُقْ زِيتُهْ وِيعِيشْ نِيكسُونْ لِنَا عَلى طُولْ

نِيكْسُونْ عَالْ، مُش بَطَّالْ وِاللِّي يقُولْ غِير كِدَةْ مَقفُولْ

شُفْتُوا كُلاَمُهْ؟، إِلاَّ كَلاَمُهْ! صُح؛ كَلاَم رَاجِلْ مَسؤُولْ

وَلاَّ عنِيهْ!!، يَاختِي عَلِيهْ فِيهُم سِكْس مَا هُوش مَعقُولْ

وِاللِّي يقُولْ: يَا بَقَرْ، يَا شَرَاكسَةْ نِيكسُونْ مَالُهْ، وْمَال النكسَةْ؟!

وِاللِّي يقُولْ: بَلوِتْنَا كبِيرَةْ وِاللِّي يقُولْ: فُضُّوهَا سِيرَةْ

وِاللِّي يقُولْ: مِين مَسؤُولْ وِاللِّي يقُولْ... وِاللِّي يقُولْ

... ...
شُوفُوا بَقى يَعني، مَا تِفلَقُونِيشْ اَدِي صَحَافِتنَا، وِغيرهَا مَا فِيشْ

مُش عَاجبَاكُمْ؟ مَا تلُومُونِيشْ قُولُوا: هَأْأَوْأَوْ، أَوْ قُولُوا: هَاءْ

عَلى صَحَافِتنَا الغِير غَرَّاءْ

أَب بَ تَ ثَ جُحٌّ.... أَلِفٌ بَاءْ

جُونسُون رَوَّحْ

نِيكسُونْ جَاءْ

الثلاثاء، 4 نوفمبر 2008

لا للحجب، نعم للحجب



أثبت التاريخ الإنساني أن أقوى سلاح يخشاه الجاهلون و المستبدّون هو سلاح الكلمة. سلاح لا يستطيعون الردّ بمثله فيلجؤون إلى مصادرته و إن لزم بالنسبه إليهم المطاردة، السجن و حتى القتل.

الكلمة سلاح لا يدمر كبقية الأسلحة بل هو بنّاء، يناقش، ينقد، يقدّم الحلول و هذا منبع خوفهم فعندما تستعمل الكلمة لتفريخ الجهل و للتصفيق و التهليل يرحبون بها و عندما تستعمل لإعمال العقل يرتجفون خوفا و يسرعون لمصادرتها.

و لكن التاريخ الإنساني أثبت دوما أيضا أن المصفقين و أشباه المثقفين من الساكتين على الإستبداد و المعادين لحرية الكلمة ذاهبون إلى مزبلة التاريخ لا محالة و أن المنادين بحرية الكلمة و بحرية إعمال العقل سيذكرهم التاريخ خالدين و لكم في غاليليو غاليلي و نيكولاس كوبرنيكوس و إبن حزم و إبن رشد و إبن سينا و فيكتور خارا و بابلو نيرودا و فريديريكو لوركا و غيرهم خير مثال

عمّار جبان، لا عفوا ليس عمّار هو الذين جبان فما هو ليس إلا منفذّا لأوامر مرؤوسيه. الجبان هو مرؤوس عمار و مرؤوس مرؤوسه إلى أن نصل إلى آخر الحلقة.

قلناها و سنقولها

لا لحجب المدونات و إن إختلفت معها

لا للقمع الفكري

لا للإرهاب الإلكتروني

منذ بضع أيام قامت لجنة التحكبم للافلام الوثائقية القصيرة بالدورة الأخيرة لمهرجان قرطاج السينمائي بحجب جائزتها احتجاجا على قرار منع عرض فيلم سوري كان مبرمجا بالمسابقة و لكن تدخل السفير السوري لدى الحكومة التونسية جعلها تسحب هذا الشريط من العرض.

أريد أن أسوق تحية للجنة التحكيم على موقفها المشرف لحجب الجائزة إحتجاجا على حجب الفلم فهكذا يكون موقف المثقفين الأحرار و تحية خاصة لرضا الباهي المخرج التونسي في لجنة التحكيم لعدم رضوخه للضغوط.

نعم لحرية الكلمة

نعم للتدوين


الثلاثاء، 28 أكتوبر 2008

إلــى عمّـــــــار

جول جمال



كنت قد وعدت صديقي بالملوان في آخر تدوينة له أن أخطّ بعض الكلمات هنا و لكني أيضا كنت أحضر نفسي سيكولوجيا منذ عدة أسابيع لكتابة مقال أو إثنين لتجاوز حالة الركود التدويني التي تلازمني منذ أشهر. عندما إختار بعض الأصدقاء يوم 4 نوفمبر كيوم تدويني ضدّ الحجب، قلت لنفسي هذه فرصتك لكتابة ردّة فعل ضدّ عمّار و أزلامه لتثبت لهم أننا معشر المدونين عائلة واحدة و يد واحدة، و إن إختلفنا، ضدّ مقصهم و عنطزتهم.


لا أدري من كان المبادر بإختيار هذه التاريخ و هل هو يوم ذو دلالة أم لا؟ و لكني كنت متأكدّا من أن هذا التاريخ يذكرني بقصة ما قرأتها منذ مدة، قصة كن تكون عبرة لعمّار ليتعلم منها معنى البطولة و الحرية إن كان لا زال فيه أمل أن يتعلم. هي قصة تروي معاني أن يضحي إنسان ما بحياته و روحه من أجل مبادئ آمن بها و من أجل حريته و حرية وطنه.


سؤال أو أسئلة أطرحها دائما على نفسي: لماذا أدون؟ لماذا أشارك بنشاطات حقوقية و ثقافية؟ لماذا أمضي العرائض تلو الأخرى و أذهب إلى إعتصام تلو الآخر؟ ألم يجلب لي ذلك سوى المتاعب و الأرق؟

الجواب هو نفسه لا يتغير: إني أبحث عن حريتي، كلما تحصلت على القليل منها رغبت بالمزيد. قد يكون الفرق بيني و بين من يرافقوني في هذا الطريق أن بعضهم لا يرى أن هذا المطلب إما أن يكون جماعيا أو لا يكون.


الحرية مطلب صعب و مفردة متشعبة، فتعريف الحرية مختلف من إديولوجيا إلى أخرى و من فرد إلى آخر، فهناك من يعمل لحرية كلمة، وهناك من يستشهد لحرية وطن و هناك من يناضل لحرية شعب – حتى و إن لم يكن شعبه – و لكنهم يتفقون على إصطلاحها بكلمة حرية.


القصة التي تذكرني بتاريخ الرابع من نوفمبر هي لبطل عربي يجهل إسمه العديد من الأجيال المعاصرة، لقبته بعربي و لم أذكر جنسيته لأنه بطل أستشهد من أجل قطر عربي آخر غير الذي يحمل جنسيته، أستشهد من أجل حرية جزء من وطنه الأكبر ليس لأنه أجبر على ذلك و ليس من منطلق عقائدي جهادي و لكنه بطل آمن بالحرية و بأن حرية و كرامة شعب مصر هي حرية و كرامة بلاده سوريا و هي حرية و كرامة كل الوطن العربي و كل أحرار العالم.

إنه البطل جول الجمّال، أصيل مدينة اللاّذقية السورية و سليل أسرة مسيحية أرثودكسية عريقة. و لد سنة 1939 لطبيب بيطري، شارك أثناء شبابه ضدّ الإحتلال الفرنسي لبلاده، درس بكلية الآداب بدمشق ثم تركها سنة 1953 للإلتحاق بالكلية البحرية في مصر.

مباشرة بعد حصوله على الإجازة في ماي 1956 و إثر قرار الزعيم الراحل جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس وقع العدوان الثلاثي على مصر من قبل القوى الإستعمارية الآفلة فرنسا و إنجلترا و ربيبتهما الكيان الصهيوني. رفض أعضاء البعثة السورية التي كان ينتمي إليها جول الرحيل و كان هذا القرار سببا في بروز أسطورة إسمها جول جمال.


"فى ليلة 4 نوفمبر ، تحديدا فى منتصف الليل التقط جول و اقرانه بث فرنسى للسفينة الحربية جان بار العملاقة ، اول سفينة مزودة بردار فى العالم، و كانت مهمتها عندما تصل بالقرب من شاطىء بورسعيد ان تدمر ما تبقى من المدينة التى كادت ان تكون مدينة اشباح بعد قصف سلاح الطيران الملكى والبحرية الملكى لها. "

على الفور تطوع جول للقيام بعملية فدائية لعرقلة تقدم المدمرة الفرنسية جان بار فبالنسبة إليه و في وقت المعركة لا فرق بين مصرى او سوري و أي عربي.


فى تلك الليلة خرجت ثلاث زوارق طروبيد لمقابلة فخر البحرية الفرنسية امام سواحل البرلس و كانت مقابلة عكس كل التوقعات التى قد ترجح كفة السفينة العملاقة فقد تصدت لها الثلاث زوراق فى معركة قللما تحدث مثلها فى تاريخ المعارك البحرية. دمر جول السفينة جان بار و أصابها بالشلل مما أدّى إلى إغراقها مضحيا بأغلى ما يملك من اجل بورسعيد .. من اجل كرامة كل العرب.


مات السوري جول جمال هو ورفاقه في مصر وأصبحوا شهداء لا فارق بينهم وبين أي شهيد مصري أو عربي آخر. مات جول جمال بعيدا عن اهله تركا خطيبته التى عاشت طوال عمرها ترفض الزواج وتصر على ان تنادى "بمدام جول".

أعود لعمار و أقول له أننا مجرد مدونين، لن نكون مثل جول لأن الضروف و الحقائق تختلف و لكننا ملتزمون بالدفاع عن حريتنا فحرية الكلمة هي الخطوة الأولى نحو حريتنا الكاملة و بأني، على الأقل أنا، مستعد للتضحية بالغالي و الرخيص من أجل أن أعيش في وطن حرّ أمارس فيه حقي في أن أقول كلمة و ما أدراك ما كلمة.


معركتنا معك متواصلة إلى أن يمحى منصبك و سننتصر و كما يقول الإخوة في مصر: "أنا و إنت و الزمن طويل"