الجمعة، 5 فبراير 2010

إعتصام


أذكر جيدا أوّل إعتصام أشارك فيه كطالب و ناشط بالإتحاد العام لطلبة تونس. كنّا حوالي 25 طالبا، بعضنا يفترش الأرض أمام مكتب المدير و البعض الآخر كان يتمتع بالجلوس على الإركة الفاخرة الموضوعة في صالة الإنتظار.

لم تكن مطالبنا صعبة المنال، بل إن الطلبة الغير نقابيين لم يستوعبو جيدا لماذا نقوم بإعتصام.

كان كل ما طلبناه من الإدارة هو أن تكون لنا مدة مراجعة لا تقل عن ثلاثة أيام قبل الإمتحانات. في البداية و بما أني كنت ممثل الطلبة في المجلس العلمي، قدمت مطلبا كتابيا للمجلس تمت مناقشته و إبداء موافقة بدائية من الجميع بمن فيهم المدير.

و لكن بعد أيام من ذلك – و بعد تهرب المدير من مقابلتي عديد المرات – إستطعت أن أمسك به في ممرات المدرسة و عندما سألته عن مذكرة مدّة المراجعة التي ينتظرها الطلبة قال لي بالحرف الواحد: "ما فمّاش فترة مراجعة، لا أسبوع و لاحتى نهار واحد و ما تفاهمنا على شي و أعمل إش تحب". طبعا و بعد محاولات أخرى لإيجاد حل قوبلت كلها بالرفض و التعنت قررنا بعد نقاش مع الطلبة أن نعتصم أمام مكتب المدير حتى يقابلنا و الطلبة و أن يعيد ما قاله لي أمامهم.

بدأ اليل يحطّ ستاره و بدأ بعض الطلبة بالتململ و التشكي من كون إعتصامنا هذا لن يفضي لشيء، و لكن حركات حارس الإدارة مجيئا و ذهابا – مستعلما عن حالتنا - و المعلومات التي تصلنا من بعض العاملين كون المدير لا زال في مكتبه مجتمعا بالكاتب العام كانت تحفزنا و الطلبة على البقاء و النوم هنا إن لزم الأمر. و لعل البلبلة الوحيدة التي أزعجتنا هي معلومات، من بعض الطلبة الأصدقاء، عن وصول سيارتا شرطة من الحجم الكبير (باقة) مرابضتان أمام المدرسة، هذه المعلومة جعلت الطلبة تطلق الإشاعات من كون المدير أعطى موافقته للشرطة بفك إعتصامنا بالقوّة وهو ما خلق حالة من الخوف داخلهم و داخلنا فلا نحن و لا هم نريد أن نضرب أو أن نعتقل...

بدون إطالة، و حوالي الساعة التاسعة ليلا، خرج لنا المدير و طلب أن نكون لجنة من ثلاثة طلبة تدخل معه المكتب للحديث و النقاش و كان ذلك و كان لنا معه إتفاق مكتوب صاغه أمامنا عن تعيين ثلاثة أيام مراجعة تسبق الإمتحانات.

هذه الحادثة تذكرتها و أنا أتابع المحاكمات الصورية التي واجهها طلبة الإتحاد العام لطلبة تونس بمنوبة، هم أيضا كانو يقومون بإعتصام كحركة إحتجاجية أخيرة يلجؤون إليها عندما تتعنت إدارة ما في سماع أصواتهم. ربما هو الحظ، ربما هو نوعية مديرنا في المدرسة الذي كان أستاذا لنا قبل ذلك مما جعله يتفهم مطالبنا و لو بعد مماطلة، ربما هو الخوف من تصعيد كان سيقلقه هو الذي جعله يتنازل أو ينزل من موقعه ليحادثنا و يناقشنا و أخيرا يرضخ لمطالبنا المعقولة، ربما .....

أعرف أن مديري المبيتات الجامعية الحكومية يعينون في الأغلب إنطلاقا من إنتمائهم الحزبي، و طبعا أتحدث هنا عن الحزب الحاكم، أكثر من نوعية دراستهم أو إختصاصهم و بالتالي فمن العادي عليهم أن يلجؤو للأساليب الأمنية عوضا عن الحوار فهم يريدون أن يحافضوا على مناصبهم و على بطونهم المتكرشة... و بالتالي فإني لا أستغرب منهم هذا الأسلوب في التعامل الأمني مع حركة نقابية يضمنها دستور تونس فهم كما السلطة التي تشغلهم لا يريدون أن يتعود الشباب عموما و الطلبة خصوصا على ممارساة حقهم في الإحتجاج و بالتالي يرون دائما في حلّ العصا الحل الأمثل لإسكات صوت الشباب، هذا الشباب الذي أصمّو آذاننا بالإفتراء عليهم و بهم فتارة يعلنون هذه السنة سنة الشباب و طورا يصرخون بأن الشباب هو عماد المستقبل وهو ملهم التغيير و لكن عندما ترى الواقع تجد شبابا عاطلا عن العمل و شبابا يرمي بنفسه للموت في البحور من أجل جنة أوروبا الغير موجودة أصلا...

أختم هذه التدوينة بتذكير مباشر لكل بوليس يقرأ هذه المدونة، يا أغبياء تعلمو من التاريخ، اليوم هو ذكرى حركة 5 فيفري و لو تقرؤون التاريخ جيدا ستعرفون أنّ ما تقومون به لن ينفعكم فإن إستطعتم قطف بعض الزهور لن تستطيعو وقف زحف الربيع... هؤلاء الذين تسجنونهم و تقمعونهم اليوم هم الشموع التي ستضيء درب الحرية في تونس المستقبل.

أطلقو سراح الطلبة المساجين

لا للقمع، لا للبوليس داخل الجامعات

نعم للعمل النقابي و السياسي داخل الجامعة

الحرية للطلبة و لكل مساجين الرأي