الثلاثاء، 12 ديسمبر، 2006

عبد الناصر و تــونس

عبد الناصر و تــونس ---- هشام القروي


تعود العرب في كل مكان تقريبا الاحتفال – أو على الاقل التذكير – بثورة يوليو في مصر التي مرت عليها الآن 51 عاما, و84 على ميلاد قائدها, و33 على رحيله. ولا أراني الا مندفعا هذا اليوم الى الكتابة حول هذا الموضوع, ربما بوازع غيرة لاواعية , أو بوازع تقليد متأصل في كل البشر, أو ربما أيضا وبطريقة أبسط , لحاجتي الى معرفة ما يمكن أن اكون واين يمكن أن اقف ازاء ما اختلف العرب على تقييمه (ثورة يوليو) بالرغم من اتفاقهم على اهمية حدوثه وربما أيضا ضرورته. وحين فكرت فيما يمكن أن اكتبه بهذه المناسبة, وجدت أن بعض الذكريات الآتية من سنوات الطفولة والصبا ترشح الى السطح , كأنما تطالبني باستعادتها. وبما أنني لست مصريا, ولا عشت في مصر, فان كل ما علق بذاكرتي عن تلك السنوات, له صلة بالخلاف أكثر من الاتفاق... ذلك أنني عشت في بلد كان على خلاف رسمي مع جمال عبد الناصر ......وهو تونس.صحيح أن النظام التونسي في عهد الحبيب بورقيبة لم يكن الوحيد الذي اختلف مع مصر الناصرية. ففي اليمن مثلا, وصل الصراع بين التحالف القومي العربي واليسار من جهة(بقيادة عبد الناصر) , وبين القوى المحافظة (بقيادة المملكة السعودية) الى المواجهة في حرب حقيقية. وكل الذين درسوا التاريخ العربي الحديث على علم بأن العالم العربي انقسم في تلك الفترة الى صف موال لعبد الناصر, وصف موال للقوى المحافظة. وبالرغم من ان الحبيب بورقيبة لم يكن ملكيا ولا أرستقراطيا, بل انه أزاح الباي الذي حكم أجداده تونس طوال قرون, ليضع محله جمهورية على مقاسه هو – مع بند خاص في الدستور يجعله رئيسا مدى الحياة: أي ملكا!- , وبالرغم من أنه كان أقرب الى اليسار الفرنسي المعتدل منه الى اليمين في بداية حياته السياسية – كان يحتفظ على مكتبه في قرطاج بصورة لمنديس فرانس زعيم الراديكاليين / وسط يسار- , فقد كان مندفعا الى مناهضة اليسار والقوميين العرب في تونس بنفس القدر الذي عادى به المحافظين الزيتونيين الذين سيولدون فيما بعد حركة الاتجاه الاسلامي أو حزب النهضة. كان بورقيبة يقف على طرف النقيض من كل هذه القوى. ولا أستطيع توكيد الادعاء أنه كان "ليبراليا". فالحقيقة أن الليبرالية اتجاه سياسي مبني على احترام كل من خالفك الرأي, وهو ما عبر عنه فيلسوف الثورة الفرنسية فولتير بقوله الشهير: " انني أخالفك الرأي, ولكنني مستعد للتضحية بحياتي من أجل حقك في التعبير عن رأيك". وهل الليبرالية تناقض القومية العربية؟ المسألة المؤكدة أنه من بين القوميين العرب من يمثل الليبرالية , مثل أمين الريحاني أو جورج انطونيوس. ومن بينهم من يمثل اليسار باجنحته المختلفة, ومن بينهم من يمثل اليمين التقليدي وربما حتى السلفي. وما نعلمه أن بورقيبة بدأ حياته قريبا الى وسط اليسار الذي كان يمثله الحزب الراديكالي في فرنسا (منديس فرانس), وانتهى يمينا تقليديا وقمعيا , أي دون الحفاظ على ما يمثله اليمين الاوروبي الذي تأثر به ايضا من احترام للديمقراطية. و قد كان يرفض ان يقول له احد كلمة لا. وذهب به جنون العظمة الى حد الاعتقاد انه بامكانه أن يملي على الفلسطينيين ما املاه على اصحابه واتباعه في تونس. فوجه اليهم دعوة بدت لهم تشجيعا على الاستسلام في الوقت الذي كل ما كانوا يطلبونه من العرب هو دعمهم للقتال. فاعتقد أن الطريقة التي استقلت بها تونس – وقد سماها سياسة المراحل – يمكن تصديرها بحيث يتبعها الفلسطينيون أيضا. وغاب عنه أن اسرائيل لم تكن في ذلك الوقت لتبلغ حتى خمس قوة فرنسا, وأن عرب فلسطين كانوا قادرين تماما على تحرير انفسهم من الاخطبوط الصهيوني لو تلقوا الدعم الكافي من اخوانهم العرب.و كره أن يضربه العرب بالبيض والبندورة (الطماطم) حين ألقى خطاب أريحا الشهير , داعيا الفلسطينيين الى التخلي عن حقوقهم الكاملة في ارض أجدادهم والاعتراف لليهود الاسرائيليين بحق اقامة دولتهم , حسب ما أملاه قرار التقسيم. وقد كان ذلك منه غرورا, حيث لم يكن هناك في ذلك الوقت من يستطيع الكلام بهذه الطريقة, الا اذا أراد أن يكون سفيرا للاستعمار, وهو ما استنكره العرب من زعيم عربي, قضى سنوات من عمره في سجون فرنسا. وقد تصور البورقيبيون بعد ذلك بسنوات أن "واقعية" بورقيبة هي التي تغلبت, ونظر بعضهم نظرة شامتة الى الفلسطينيين الذين في رأيهم لو انصتوا الى "المجاهد الاكبر", لما وصلوا الى ما وصلوا اليه اليوم. وقد تبدو هذه المسألة صحيحة في الظاهر. ولكن في الحقيقة, فان اسرائيل لم تكن قوة يصعب التغلب عليها في ذلك الوقت الذي ألقى فيه بورقيبة خطاب اريحا. وكان من السخف تماما تشبيهها بفرنسا التي كانت بحق احدى أعظم القوى الاستعمارية في التاريخ. ولم تصبح اسرائيل هي الغالبة لأن الفلسطينيين لم ينصتوا الى "حكمة" بورقيبة, بل لأن الدول العربية متخلفة, ولأنها تخلت عن الواجب القومي, ولأن الفلسطينيين انفسهم لم يكونوا في مستوى القدرة القتالية التي أظهرها الصهاينة, بفضل ما حصلوا عليه من سند غربي.

كان جمال عبد الناصر هو الاقرب الى قلوب العرب وعقولهم. فهو الذي تجرأ على افتكاك قناة السويس وتاميمها, وهو الذي تجرأ على محاربة اسرائيل ومن معها ومن وراءها – حتى وان خسر المعركة, فالحرب سجال . لم ير العرب في جمال شيئا من الانهزامية, حتى عندما بكى مستقيلا من منصبه , بعد هزيمة 1967. اتجه عبد الناصر في كل اقواله واعماله اتجاها مغايرا لاتجاه بورقيبة. ففيما تراجع هذا الاخير منكفئا على نفسه, بعد أن استنكر الفلسطينيون والقوميون العرب واليسار وجميع القوى العربية الحية, ما قاله في خطابه حول القضية الفلسطينية, وبات داعيا ل"التونسة" وما سماه وزير ثقافته في عهد محمد مزالي, "الشخصية التونسية" – التي هي خليط لا يفهم بوعه من كوعه-, ظل عبد الناصر وفيا لمبادئ الثورة التي قادها, والتي مالبثت أن انخرطت في سياق عالمي , اتسم في ذلك الوقت بالمد.لقد نهض جمال بمصر والعالم العربي الى مصاف الكتل الاقليمية المؤثرة عالميا. فحين نذكر عبد الناصر, نذكر أيضا الزعيم الهندي جواهر لال نهرو, والزعيم اليوغسلافي الماريشال تيتو, وثلاثتهم من مؤسسي حركة عدم الانحياز, التي كان لها آنذاك اشعاع ونفوذ حقيقيان. فطالما كان هؤلاء الزعماء الثلاثة أحياء ونشيطين, كان عدم الانحياز محترما في العالم بأسره, وكانت الدول الصغيرة تتسابق للانضمام الى الكتلة التي اعلنت انها تقف محايدة ازاء الاستقطاب الثنائي. وهذا المبدأ هو الذي سماه جمال : الحياد الايجابي... أي ان هذه الكتلة من الدول المتحالفة لا تريد الخضوع لأي من المعسكرين –الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة-, وأنها بدلا عن ذلك تشق طريقها الخاص, وان حيادها لا يعني ايضا سلبيتها ازاء الاحداث, وانما هو موقف نشيط وفاعل. وقد بدا لبورقيبة ان هذا الموقف خطأ. فقال في احد خطبه معلقا بسخرية انه "لا يوجد عدم انحياز ..." وان البلدين الوحيدين غير المنحازين هما الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الامريكية. وكان مؤدى هذا الكلام أن تبقى تونس كالاجرب الذي يتحاشاه الآخرون...فقط لأن بورقيبة اصيب بالغيرة مما حققه جمال عبد الناصر من اشعاع في العالم الثالث. ولولا مهارة بعض الدبلوماسيين التوانسة , وسعيهم الى التصالح وعدم اغضاب الافارقة والاسيويين وكل الذين رأوا أملا كبيرا في ميلاد كتلة عدم الانحياز, لاتسع الخرق على الراقع, ولأصبحت تونس "جمهورية موز" اخرى. وهي على اية حال ما كادت تبلغه أو ما بلغته في نظر بعض اليساريين , ولكننا نتحفظ ازاء هذا الموقف. فقد ظل البعض في الدبلوماسية التونسية يعملون باحتشام , من وراء الستار, للحفاظ على المصالح مع الذين اغضبهم بورقيبة, حين كان ذلك ممكنا. ولم يكن الامر سهلا, خاصة عندما نعلم كم كانت نوبات الغضب حادة لدى الرئيس التونسي. ولكن فئة قليلة في الخارجية كانت تعلم أن بورقيبة سيمضي, وان العرب باقون, وكذلك هو الحال بالنسبة للاطراف الاقليمية او الدولية التي لم ير بورقيبة فائدتها. وقد كانت هذه الفئة هي التي وقفت فيما بعد وراء مجلة "دراسات دولية" التي تراسها الرشيد ادريس, وهو رجل من أوائل المناضلين الذين استبعدهم بورقيبة, أو أبعدهم من الساحة. وكان الرشيد ادريس هو من فتح مكتب "المغرب العربي" بالقاهرة, قبل استقلال تونس, وهو ما شكل حلقة الوصل بين عرب المشرق وعرب المغرب. ولكن "سي الحبيب" كان يرى شخصه اهم من كل رفاقه, فضلا عن انه كان يتصور نفسه أهم زعيم عربي على الاطلاق. كان هذا الغرور مؤذيا لبورقيبة و تونس, التي عزلت تقريبا في العالم العربي, ولم تستعد شيئا من الاحترام الذاتي الا عندما زار محمد انور السادات الكنيست الاسرائيلي ووقع معاهدة سلام مع اسرائيل, الشيء الذي دفع العرب الى مقاطعة مصر, ونقل مقر الجامعة العربية الى تونس, حفاظا على عروبتها التي كاد بورقيبة يبهذلها. وهو انجاز يسجل لحساب ايجابيات مساعي تلك الفئة من الدبلوماسيين التي تحدثنا عنها, اكثر منه لحساب بورقيبة نفسه, حتى وان حرصوا دائما على القول: الرئيس هو الذي أشار بكذا وكذا... وقد وجد البعض في ذلك الحدث فرصة لتصفية الحسابات القديمة مع النظام المصري. أذكر, وانا طفل في تلك السنوات البعيدة التي اشتعلت فيها الحرب الكلامية بين تونس البورقيبية ومصر الناصرية, كيف كان غسيل الدماغ جاريا بشكل يومي في الاذاعة والتلفزيون, ولم تفلت منه حتى المدارس, ولا جدران الاحياء الشعبية. ففي كل مكان كانت ترفع شعارات معادية لمصر, ولجمال عبد الناصر, التي كانت توجه اليه الشتائم ,وكانت الميليشيا المكونة من الصعاليك والقبضايات تجول الشوارع وتكتب على الجدران ما يكره أي عاقل أن يقرأه. وكنا نسمع في الاذاعة اغاني مكتوبة خصيصا للسخرية من عبد الناصر وما يمثله, وكانت المسارح تقدم مسرحيات هابطة من نفس النوع. وامكن في ذلك الوقت لكل من يعادي العروبة أن يصبح "رأسا" في تونس... حتى انني سمعت بعد مرور سنوات احد هؤلاء يعترف قائلا بشيء من البلاهة الافتخارية: "أنا كنت أول من نبه الى الامبريالية المصرية"! الامبريالية المصرية! هل سمعتم بربكم عبارة أكثر حمقا؟ وما هي الامبريالية المصرية؟ انها كل ذلك الانتاج الثقافي والفكري الحديث الذي كان –ولا يزال – عرب تونس يتطلعون اليه مثلما يتطلع متعطش الى الماء. ولماذا لا نتحدث اذا عن "امبريالية عربية"؟ لعل هذا هو الذي كان مقصودا من طرف تلك الشلة التي حاربت بتشجيع من النظام الانتماء العربي الاسلامي , وطرحت على الساحة الثقافية مفاهيم تغريبية وشاذة , مثل الكتابة باللهجة المحلية بدلا عن العربية, أو ادخال اللهجة المحلية لبرامج التعليم, لتعويض العربية تدريجيا. وقد كان انتاجهم الركيك ينشر في بعض الصحف والمجلات التي يشرف عليها كتاب النظام ورموزه. فلم تكن مسألة انتشار الثقافة العربية الحديثة بتونس مصدرها مصر وحدها. ولم نكن نحن كتلاميذ صغار وطلاب متطلعين الى ثقافة جديدة لنحفل كثيرا بالجانب الايديولوجي , وما كان يهمنا الى هذا الحد أن تكون مصر ناصرية أو تونس بورقيبية, بالرغم من اننا بلا شك كنا أكثر ميلا –كجميع العرب – لسماع خطاب سياسي أكثر تجاوبا مع متطلبات عصرنا العربي من الخطاب البورقيبي, الذي ظل متقوقعا حول نفسه, ومرددا طوال ربع قرن لأغنية "انا حررت تونس وليس هناك أكبر من عقلي ولا اعظم من شاني". فالواقع أن همنا كان ثقافيا أكثر منه سياسيا, وما كنا نصبو اليه هو ان تكون بلادنا , لا جزءا من العالم العربي الاسلامي وحسب – فهذا مفروغ منه – وانما عنصرا مولدا لحركة ثقافية جديدة ضمن هذا الكل الشامل الذي يسمى الكتلة العربية. فهل كان ذلك ممكنا دون مد الجسور بين بلدان المشرق والمغرب؟ وهل كان ذلك ممكنا بالتنازل عن الانتاج الثقافي العربي الحديث أو بالانقطاع عن مصادره؟ بحيث لم تكن هذه المسألة خاصة بمصر وحدها. فأنا أذكر كيف كنت- بمفردي أو برفقة الاصدقاء- أجتاز المدينة من الطرف الى الطرف بحثا عن الملاحق الثقافية للصحف الصادرة في المشرق العربي - وبعضها كنا نحصل عليه مجانا من المراكز الثقافية-, والبعض الآخر نشتريه كمجلة الاقلام العراقية , أو مجلة "المعرفة" السورية , اومجلة الهلال, أو سلسلة الكتب الشهرية الصادرة عن دار المعرفة الكويتية, والتي كنت حريصا على اقتنائها جميعا,(ولا تزال بمكتبتي في تونس) ,أو المجلات اللبنانية التي كانت دائما جذابة بشكل خاص في نظرنا, واذكر مجلة الآداب, أو مجلتي "شعر" و"مواقف" –التي كان الحصول على عدد منهما امرا خياليا- . وبعبارة واحدة, كل ما كان يأتي من العالم العربي من حولنا, كنا نتخاطفه ونقرأه ونناقشه , قبل الدخول الى المدرسة, او حين نكون في الساحة. ولم يستطع بورقيبة ولا الميليشيا الثقافية التي أنشأها-زيادة على الميليشيا الامنية- أن يقنعوا المثقفين العرب التونسيين أبدا بوجهة نظرهم, الا من أراد من هؤلاء أن يسايرمن أجل لقمة العيش. واعرف ان هذا الكلام قد يبدو "قاسيا" او "غير متسامح". فبعد كل حساب , انتهى امر بورقيبة, وحتى خلافه مع عبد الناصر لم يبق مسيطرا على الاعلام والعلاقات بين البلدين , حيث تم شيئا فشيئا التخفيف من حدة المعركة. بيد ان الحقائق التاريخية ستظل مدفونة في بئر منسية اذا لم يتحدث عنها احد. وهذه أشياء عشتها, فهي جزء من حياتي, وهناك كل الذين عاشوا معي هذه الفترة, ويتذكرونها كما اذكرها. ولا شك انهم اذا قرأوا هذا الكلام سيتعرفون على انفسهم, فمنهم من سيقول نفس الشيء ويشهد بنفس الطريقة, ومنهم من سيصمت لحاجة في نفس يعقوب او لأنه لا يرى فائدة من الحديث.

كان الاستماع الى خطب عبد الناصر خلسة في الراديو, عادة منتشرة في كامل البلاد التونسية. وكان البعض يحتفظ بها مسجلة ويخفيها عن العيون وكأنها الماس. وحين يريد أن يبدي وده للأصدقاء, فانه يدعوهم لسهرة خاصة, يستمعون فيها الى عبد الناصر يخطب. بيد ان ذلك كله كان يتم احاطته بالسرية التامة, حتى بعد موت عبد الناصر, وهو امر غريب فعلا. ولعل ذلك عائد الى الذهان الامني السائد في البلاد, والاحتياطات من كل ما يأتي من العرب. فلم يكن نظام بورقيبة ليخشى أن يتآمر عليه الغربيون, ولم يضطهد يوما من يكتب مقالا بالفرنسية او الانجليزية . ولكنه بالتأكيد كان يراقب عن كثب كل ما يكتب وينشر باللغة العربية, وكان البوليس السياسي مستعدا في أي وقت لاتهامك بالتآمر على أمن الدولة, بمجرد نشرك قصيدة أو قصة قصيرة في احدى الصحف العربية. وكان هذا كله متاتيا من وقائع مؤامرة في الجيش تم كشفها في الستينات, وشنق العديد ممن شاركوا فيها وسجن بعضهم الاخر لفترة طويلة. وقد جاء الكشف عن تلك المؤامرة في أوج المعركة الاعلامية والسياسية الطاحنة بين النظام الناصري والنظام البورقيبي. وقد اثر ذلك على مستقبل الثقافة العربية في تونس سلبا. وقد حاول بورقيبة ان يلعب الورقة السعودية لمحاصرة المد القومي العربي في تونس. وبالرغم من أنه لم يشعر أبدا بقربه الايديولوجي من السعوديين التقليديين والمحافظين, فهو لم يدرك أبدا أن ابناء عبد العزيز آل سعود كانوا جميعا – ويبقون بلا شك – في قلب المعمعة العربية , ولعلهم أكثر حرصا على توفير حظوظ النجاح للقومية العربية , من احزاب ومؤسسات اعلامية وغيرها اتخذتها(أي القومية العربية) شعارا ترفعه على الواجهة. وأعني ان الخلاف بين عبد الناصر والسعودية لم يكن حول جوهر الفكر القومي , وهل يستحق العرب أم لا أن يعيشوا ككتلة متراصة بأحلام ومشاريع واحدة. وهو ما لم يؤمن به بورقيبة على ما اظن. وانما الخلاف كان حول كيفية التعايش, وكيفية التقدم. لم ترض المملكة السعودية , التي اكتشفت لتوها أهميتها الاقتصادية – وبالتالي السياسية – أن تلعب بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة, كما كان يفعل عبد الناصر. فقد كانت مصالحها النفطية تمنعها من السير في دروب مجهولة, والمخاطرة بمكتسباتها. وفضلا عن ذلك, فمملكة عبد العزيز لم تكن حققت من القوة ما يجعلها قادرة على تحدي الغرب, الذي هو زبونها الاساسي. ولكنها لم تبخل بتمويل أي مشروع يمكن من ردع اسرائيل. وقد رأى بورقيبة في هذا الموقف ما يقربه من السعودية, لا سيما وقد "همس" بعضهم في اذنه بما يعني: اذا أردت ضرب القوميين العرب, فاحرص على توطيد العلاقات مع السعوديين. وهكذا, فقد تمثلت سياسته في الترحيب بأموال النفط التي بنت الفنادق السياحية في تونس, والسماح لفترة وجيزة بنشاط محتشم جدا للتيار السلفي من داخل الحزب الدستوري نفسه, او على الاقل باشرافه, قبل الانقلاب عليه, عندما انتهى بناء الفنادق. وفي اعقاب المؤامرة التي قادها عبد الرزاق الشرايطي – والتي وصفت ب"اليوسفية" نسبة الى الزعيم المغتال صالح بن يوسف القريب من عبد الناصر -, ضرب بورقيبة كل ما يتحرك وتفوح منه رائحة الانتماء القومي العربي . ولم يكن غريبا والحال هذه, ان يعامل بورقيبة معمر القذافي وكأنه صبي لا يمكن أخذه على محمل الجد, بالرغم من أن نصف الجمهورية التونسية على الاقل كان حريصا على الاستماع الى كل خطاب لمعمر تبثه الاذاعة الليبية. ولا يمكنني ان اقول ان النصف الآخر كان ينصت لبورقيبة, لأنه منذ ان جعلت مؤسسة الاذاعة والتلفزيون التونسية "توجيهات الرئيس" برنامجا يوميا, لم يعد أحد ينصت الى "المجاهد الاكبر" , الا اذا كان مخدرا بالحشيش أو في حالة سكر لا تقاوم. وبالرغم من ان معمر القذافي طرح فكرة الوحدة حتى على مالطا, حسب ما سمعت – ولعله كان ينوي فتحها وتعريبها وأسلمتها, وهو ما نراه يسعى اليه في افريقيا -, فانه كان دائما مولعا بفكرة وحدة اندماجية بين ليبيا و تونس ومصر. وبالرغم من انه ناصري مقتنع, فلقد كانت وستظل له مشاريعه ورؤيته الخاصة. وهي مشاريع ورؤية تضاربت افقيا وعموديا مع عقل الحبيب بورقيبة, الذي سيطر عليه كما قلنا الذهان الامني والخوف المرضي من كل خطوة يمكن أن تؤدي الى ما أدى اليه تأميم قناة السويس. كان بامكان بورقيبة أن يتحدى الفكر الاستعماري... الى حد معين, لا يمكن تجاوزه. كانت له خطوط يقف عندها ويعتبرها تقريبا "مقدسة" , لا يمكن المساس بها. وكانت المشاريع القومية العربية, سواء التقليدية المحافظة الآتية من المملكة السعودية(في شكل اتجاه سلفي), او العلمانية ( البعث) , أو الناصرية ( سواء عبد الناصر أو القذافي), أو غيرها ... تؤدي كلها في نظره الى المخاطرة. فهو يرى تونس دولة أبدية, ولا يرى امكانية لدمجها في مشروع أكبر, حتى وان كان يعلم جيدا أن في ذلك مصلحة عامة. والحقيقة انه كان يفضل , كما يقول المثل الاوروبي , ان يكون "البابا في قرية صغيرة" على ان يكون "الكاهن العاشر او الثاني والعشرين في روما". ولم يكن القوميون العرب , لا في تونس ولا في أي بلد من العالم العربي, ليؤمنوا يوما بما يعتقده بورقيبة من ان هذه الدول العربية القائمة اليوم, ازلية و أبدية. ولعله كانسان عاقل لم يكن يوهم نفسه بذلك الا بغرض ايهام الاخرين بأنه من الأكثر افادة استكمال البناء في القرية على الحلم ببناء روما جديدة. فبعد كل حساب, هوانسان متعلم, درس التاريخ ويستشهد به من حين الى آخر. ولا يمكن أن يجهل بالتالي عدد الدول والانظمة التي شهدتها المنطقة العربية منذ ما قبل الفتح الاسلامي الى عهده. وبالرغم من اننا نتعامل بحكم الواقع مع الدول العربية الموجودة كما هي, فانه ليس لدينا كمثقفين عرب اوهام حول قدراتها . ولا اعتقد أن قادة هذه الدول أنفسهم راضون عنها, وان كانوا بلا شك راضين بمناصبهم وساعين الى ضمان مصالحهم ومصالح أتباعهم. ففي اللاوعي الفردي للانسان العربي كما في اللاوعي الجماعي, سيظل هناك دائما أسف وحنين. أسف على العظمة المفقودة, التي جعلت من الامة العربية يوما المصدر الاساسي للعلم والمعرفة وما يرتبط بهما من اشعاع ثقافي وسياسي وازدهار حضاري. وحنين الى يوم يكون للعرب فيه موعد مع التاريخ. وبالتأكيد, ليس هناك عاقل يتصور أن هذا "الموعد" هو ضربة حظ, أو صولة عسكرية يقوم بها فجأة شخص يدعي انه سيغير العالم. وانما هو الجهد اليومي الذي يبذله ملايين الناس العاملين كالنمل في كل مكان من البلاد العربية وفي المهجر, من أجل النهضة الحديثة, واعادة العلم والمعرفة الى المكان الذي يستحقانه, وابعاد سيف ديمقليس المسلط على اعناق العلماء والمثقفين المخيرين بين تاييد ظلم الحكام, أو السجن, او المنفى. فهل هناك من بين هذه الدول العربية دولة واحدة حققت رضا عامة الناس وخاصتهم؟ وهل هناك نظام واحد يثلج الصدر؟ لقد أصبح شائعا أن نعلق على ما يجري بالقول : كلنا في الهم عرب! وهذا ما يقوله المثقفون العرب في كل مكان, حتى في الاعلام الرسمي , عندما يسمح بذلك. فهي دول متشابهة في عدائها للحريات العامة والخاصة, واضطهادها لمن يخالفها الراي من المثقفين والعلماء. والشيء الوحيد الذي يجمع العرب اليوم , كما بالامس, هو الثقافة. وما نراه ان جميع هذه الدول العربية تحارب الثقافة الحديثة بهذا القدر أو ذاك , ومن ثم , فهي تؤصل التخلف وتجذر العماء والدكتاتورية في التربة العربية, الشيء الذي يؤدي الى الغليان الذي نشاهده ونشعر به اليوم. فهناك في الحقيقة وحدة من نوع خاص تحققت بين الدول العربية: انها وحدة القمع. فالحكام وان اختلفوا في كل شيء وحول كل شيء, يتفقون على قمع الحريات. وهو ما يجعل المنفى – أو حتى السجن – اشرف من الاشتراك في الحكم, واثقال الضمير بكل تلك الجرائم التي ترتكب سرا وعلانية, ضد المعارضين والمنشقين, ومن لا حول له ولا قوة, وكل من يسمح لنفسه بانتقاد الحاكم. ولا أقول هذا من منطلق معاداة كل شيء أو استصغار كل شيء, فأنا لست عدوا للدولة, ولا عدوا للدول العربية. وانما رجل ولد و يعيش منذ أكثر من اربعين سنة في العالم العربي, حتى وان كنت في المهجر الآن. رجل مطالب بوازع من ضميره أولا , واستجابة لقرائه, بتقديم شهادة نزيهة على عصره. فلو سكت عن بعض الاشياء, هل أضمن بذلك لقمة العيش؟ ان الرزق من الله, والتوكل عليه. ومن ثم, فالساكت عن الحق شيطان أخرس. ثم انني اتلقى اجرا للكلام والكتابة, فكيف أسكت؟ وحتى اذا لم اكن أكتب هذا كصحفي محترف, فانا أكتبه – وسأكتب مثله واكثر منه ان شاء الله – بوصفي أديبا... أي شخصا ليس هدفه الاسترزاق من الكتابة بقدر ما هو الوصول الى اكبر عدد من القراء. شخص لا ينتظر بالضرورة أن يتقاضى أجرا على كتابته.

وماذا أضيف؟ هناك الكثير من الذكريات. بيد انه ينبغي أن اتوقف كي لا اطيل. أريد فقط ان ألاحظ في النهاية ان الاتجاه القومي العربي كان دائما موجودا حتى داخل الحزب الدستوري في تونس, وكان ممثله الحقيقي بلا شك الزعيم صالح بن يوسف, الذي اغتالته ميليشيا الحبيب بورقيبة في المانيا سنة 1962... ليقضوا على "الفتنة" حسب زعمهم. والحقيقة أن جناح بن يوسف كان الغالب شعبيا, ذلك أن جذور هذا الحزب تمتد الى قاعدة شعبية أصيلة, كان خير من يمثلها هو مؤسس الحزب الحقيقي وأبو الحركة الوطنية في تونس, الزعيم المجاهد عبدالعزيز الثعالبي.

هناك تعليقان (2):

islam_ayeh يقول...

barakallahou fik we ya3tik essa7a pour ce témoignage!

Je pense que les jeunes de ma génération (né fin des 70) et celle du "ta7awol almoubarek" ont bcp à apprendre et à connaître des gens comme vous..

Merci de continuer à nous raconter la version "non officielle" de l'histoire de notre pays!

aa يقول...

انت انسان جاهل االتاريخ و متحامل على الزعيم بورقيبة مقابل انحياز لعبد الناصر الذى كان و لازال السبب الرءيسى في تعاضم دولة اسراءيل و ذلك عبر قراراته الخاطءة باقامة الحرب و جر الكرامة العربية الى الذل بقراراته المنفردة و اعتماده غلى رجال امثال عبد الحكيم عامر